أبي منصور الماتريدي

370

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

تعالى - يسر على نبيه حفظه ؛ حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه [ جبريل ] « 1 » - عليه السلام - بما يقرؤه « 2 » عليه مرة واحدة . وقيل له : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ الآية [ القيامة : 16 ] ؛ فضمن له الحفظ ؛ فأمن النسيان ، فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة ؛ فأنزل مفرقا ، ليكونوا أقدر على حفظه ؛ ولهذا ما كثر حفاظ القرآن في هذه الأمة ، وكثر قراؤها ، وكثر فقهاء هذه الأمة ؛ لأن القرآن أنزل مفرقا على أثر النوازل ؛ فعرفوا مواقع النوازل ؛ فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات ؛ لمعرفتهم مواقع النوازل والمنسوخ ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ و « 3 » المنسوخ ؛ فأنزله الله - تعالى - مفرقا ؛ ليكونوا بعلم الناسخ والمنسوخ والله أعلم . ولأنه إذا أنزل مفرقا ، كانوا إليه أشوق ، وأرغب منه إذا أنزل جملة واحدة ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ . . . الآية [ محمد : 20 ] ، فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تنزل عليهم سورة ، وإن كانوا قد أنزلت إليهم سورة من قبل . وفيه - أيضا - تخويف للمنافقين ؛ كما قال الله - تعالى : - يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 64 ] ؛ فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا من الفوائد والمنافع للمؤمنين ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ . فيه أنه ابتلاه « 4 » بما تكرهه نفسه ، ويشتد عليها ، حتى دعاه إلى الصبر ؛ لأن المرء لا يدعى إلى الصبر على النعم واللذات ، وإنما يدعى إليه إذا ابتلي بالمكاره البليّات ، وقد صبر - عليه السلام - على المكاره ؛ لأنه أمر بمضادة الجن والإنس ؛ فانتصب لهم حتى آذوه كل الأذى ، وهموا بقتله . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً : كأنه قال : ولا تطع من دعاك إلى ما تأثم فيه ، أو يكون كفورا . أو لا تجب الآثم أو الكفور إلى ما يدعوك إليه . وقوله - تعالى - : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ :

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : يقرأ . ( 3 ) في ب : من . ( 4 ) في ب : ابتلاء .